السيد الطباطبائي
316
تفسير الميزان
قوله تعالى : " وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين " معطوف على ما عطف عليه ما قبله أي واذكر زكريا حين نادى ربه يسأل ولدا وقوله : " رب لا تذرني فردا " بيان لندائه ، والمراد بتركه فردا أن يترك ولا ولد له يرثه . وقوله : " وأنت خير الوارثين " ثناء وتحميد له تعالى بحسب لفظه ونوع تنزيه له بحسب المقام إذ لما قال : " لا تذرني فردا " وهو كناية عن طلب الوارث والله سبحانه هو الذي يرث كل شئ نزهه تعالى عن مشاركة غيره له في معنى الوراثة ورفعه عن مساواة غيره فقال : " وأنت خير الوارثين . قوله تعالى : " فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه " الخ . ظاهر الكلام أن المراد بإصلاح زوجه أي زوج زكريا له جعلها شابة ولودا بعد ما كانت عاقرا كما يصرح به في دعائه " وكانت امرأتي عاقرا " مريم : 8 . وقوله : " إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين " ظاهر السياق أن ضمير الجمع لبيت زكريا ، وكأنه تعليل لمقدر معلوم من سابق الكلام والتقدير نحو من قولنا أنعمنا عليهم لأنهم كانوا يسارعون في الخيرات . والرغب والرهب مصدران كالرغبة والرهبة بمعنى الطمع والخوف وهما تمييزان إن كانا باقيين على معناهما المصدري وحالان إن كانا بمعنى الفاعل ، والخشوع هو تأثر القلب من مشاهدة العظمة والكبرياء . والمعنى : أنعمنا عليهم لأنهم كانوا يسارعون في الخيرات من الأعمال ويدعوننا رغبة في رحمتنا أو ثوابنا رهبة من غضبنا أو عقابنا أو يدعوننا راغبين راهبين وكانوا لنا خاشعين بقلوبهم . وقد تقدمت قصة زكريا ويحيى عليهما السلام في أوائل سورة مريم . قوله تعالى : " والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين " المراد بالتي أحصنت فرجها مريم ابنة عمران وفيه مدح لها بالعفة والصيانة ورد لما اتهمها به اليهود . وقوله : فنفخنا فيها من روحنا " الضمير لمريم والنفخ فيها من الروح كناية عن عدم استناد ولادة عيسى عليه السلام إلى العادة الجارية في كينونة الولد من تصور